ابن عربي

438

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة النبأ ( 78 ) : آية 7 ] وَالْجِبالَ أَوْتاداً ( 7 ) فإنه بالجبال سكن ميد الأرض ، لما تحركت من خشية اللّه ، آمنها اللّه بالجبال التي جعلها اللّه أوتادها ، فهي مسكنة لكونها متمكنة ، فلها الرسوخ والشموخ ، ومع هذه العزة والمنع ، وقوة الردع والدفع ، فلا بد من صيرورتها عهنا منفوشا ، وهباء منبثا مفروشا ، فتلحق بالأرض لاندكاكها [ تفسير من باب الإشارة : « وَالْجِبالَ أَوْتاداً » الآية ] - تفسير من باب الإشارة - صليت مع شيخي أبي جعفر أحمد العريبي في دار وليي وصفيي أبي عبد اللّه محمد الخياط المعروف بالعصاد وأخيه أبي العباس أحمد الحريري ، فقرأ الإمام ( عَمَّ يَتَساءَلُونَ ) فلما وصل إلى قوله تعالى « أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً » غبت عن قراءة الإمام ، وما سمعت شيئا ، ورأيت شيخنا أبا جعفر وهو يقول : المهاد العالم والأوتاد المؤمنون والمهاد المؤمنون والأوتاد العارفون ، والمهاد العارفون والأوتاد النبيون ، والمهاد النبيون والأوتاد المرسلون ، وذكر من الحقائق ما شاء اللّه أن يذكر ، فرددت إليّ والإمام يقرأ ( وَقالَ صَواباً ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ) فلما فرغنا من الصلاة سألته فوجدته قد خطر له في تلك الآية ما شهدته . [ سورة النبأ ( 78 ) : الآيات 8 إلى 9 ] وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً ( 8 ) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً ( 9 ) [ أقسام النوم : ] النوم برزخ ، والبرازخ موطن الراحات ، ولذلك جعل اللّه النوم سباتا أي راحة ، لأنه بين الضدين الموت والحياة ، فالنائم لا حي ولا ميت ، ولذلك قال تعالى « وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً » يقول : وجعل النوم لكم راحة تستريح به النفوس لأجل التعب الذي كانت عليه هذه النشأة في حال اليقظة من الحركة ، وإن كان في هواها ، والنوم على قسمين : قسم انتقال وفيه بعض راحة ، أو نيل غرض ، أو زيادة تعب ، والقسم الآخر قسم راحة خاصة ، وهو النوم الخالص الصحيح ، الذي ذكر اللّه أنه جعله راحة لما تعبت فيه هذه الآلات والجوارح والأعضاء البدنية حال اليقظة ، وجعل زمانه الليل وإن وقع بالنهار ، كما جعل النهار للمعاش وإن وقع بالليل ، ولكن الحكم للغالب ، فالنوم راحة بلا شك ، وهو بالليل أقوى ، فإنه فيه أشد استغراقا من نوم النهار ، وأما قسم الانتقال فهو النوم الذي يكون معه الرؤيا ، فتنتقل هذه الآلات من ظاهر الحس إلى باطنه ، ليرى ما تقرر في خزانة الخيال ، الذي رفعت